الشيخ أحمد بن علي البوني
468
شمس المعارف الكبرى
الظاهر قوله تعالى : ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً فهذا خلق الباطن وهو معنى اسمه : البارىء ، ولذلك جعل نسبة النفوس قال ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ . واعلم أن أرواح أهل السعادة طبعت في سر البسط ، وأرواح أهل الشقاوة طبعت في سر القبض ، وأهل السعادة قلوبهم في قالب الإيمان ، وأرواح الشقاوة في قالب الكفر ، وأجسام أهل السعادة جبلت على الخدمة ، وأجسام أهل الكفر جبلت على الشقاوة بالغفلة ، ومن وافق أهل السعادة كان في عليين ، ومن سبقت عليه الشقاوة كان في أسفل السافلين وباء بالغضب والبعد ، ففي حق السعادة قوله تعالى : فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وفي حق الغضب وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً الآية ، وإنما القوة البشرية قوة التركيب الجسماني ، وأما التركيب الرحماني وما قسم له من السعادة والشقاوة فإن طاقة البشر لا تدركه واللّه الموفق . تنبيه لطيف لتكميل التركيب اعلم أن اللّه تعالى إذا أراد أن يكمل التركيب باسمه : الخالق ، يمده بعوالم فلك اسمه ، البارىء ، ثم بالمصور ، ويتحلى عليه فلك اسمه : القدير ، ويحصل له الأفعال ، فعند ذلك يكون بأول الولادة الروحانية ، وهي معالم النبوة ، وهي أول المقامات ، ولذلك نبه عليه السّلام بقوله : للتائب من الذنب كمن لا ذنب له ، وفي حديث آخر : خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه . فهذه أول أطوار الولادات العلويات وأول سقط الجروح ، فإذا كمل ما نقشوه في صحيفة التدبير الذي أول سطوره ثلاثمائة وخمسة وأربعون سطرا ، وتحقيق مراتب الاسم بمعرفة الأطوار التركيبية والتقرب إلى اللّه بهذا الاسم لزوم الانكسار ، وتعلق الفكر بعوالم الملكوت ومراقبة الأسرار ، وعليك بالتوغل في حقائق التوحيد ، فإذا أردت الدخول إلى الخلوة فتريض أربعين يوما ولازم تلاوة الأسماء الثلاثة وهي : خالق بارىء مصور ، حتى يغلب عليك حال ، وتخاطبك العوالم ، وعليك بتلاوة الأسماء كل وقت ، وإذا كتب في لوح من فضة ، وحمله ذو عاهة على رأسه عافاه اللّه ، وتلاوة هذا الاسم في خلوة مائتين واثنين وأربعين مضروبة في لوح من فضة ، فإن الخادم يحضر ، وهو رئيس على أربعة قواد ، تحت يد كل قائد ستة وستون صفا من الملائكة ، فإذا تلى هذا العدد نزل عليه الملك وهو يقول : يا اللّه يا بارىء يا فتاح ، افتح علينا سر غيبك لا إله إلا أنت المعطي الهادي ، ويشاهد من عظيم صنع اللّه تعالى . وأما ذكره تقول : بسم اللّه الرحمن الرحيم اللهم أنت البارىء أبرزت العالم الأعلى من الجوهر العظيم ، وأبرزت أزواجا من الأمر البهي الخفي ، وأبدأت العالم السفلي بما هو خير منه لأمرك العلي ، وجمعت بين المضادات لظهور السر الأظهر الجلي ، وتشابكت بتشابك الأرواح وكثائف الأشباح حتى جرى قلم التدبير بما شئت من الفساد والصلاح ، أسألك يا موجد الموجودات من المعدومات ، ومدبر الأفلاك بدقائق الحركات ، أن تدبرني من كل شيء قاطع يقطعني عنك ، اللهم يا من تنجي من حوادث الزمان نجني من الخطأ والنسيان والكسل والخذلان ،